Friday, July 27, 2007

الإسلاميون الأتراك.. النموذج أم الاستثناء؟


السيد ولد أبـاه ـ الشرق الأوسط 27 /7

تساءل كثيرون هل ما نشهده في تركيا هو تبلور نموذج قابل للاقتداء من لدن الحركات الإسلامية، أم هو استثناء لا يقاس عليه، يحمل سمات وخصوصيات تجربة فريدة غير قابلة للتعميم؟

ولا بد من الإشارة بدءاً إلى أن التيارات الإسلامية نفسها انقسمت إزاء التجربة التركية، فلئن مالت في الغالب إلى الاستبشار والتنويه بالمكاسب الكبرى التي حققها حزب العدالة والتنمية الذي خرج من عباءة حزب الرفاه ذي الميول الإسلامية الأكثر بروزا، إلا أنها اعتبرت أن حكومة أردوغان لم تعمل على أسلمة الحياة العمومية وعلى محاربة العلمانية الأتاتوركية ولم تجمد علاقات أنقرة مع تل أبيب، بل سلكت في الملفات الداخلية وفي السياسة الخارجية نهجا لا يختلف نوعيا عن مسلك الحكومات العلمانية السابقة. ولذا يمكن اعتبار تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم نموذجا قابلا لأن ينعت بالإسلامي.

ومن الواضح أن قيادة الحزب نفسه تحرص بشدة على نفي تهمة «الأصولية» بل صفة «الإسلامية» التي يطلقها عليها خصومها من الأحزاب العلمانية التقليدية، مفضلة عبارة الاتجاه المحافظ المألوفة في الحقل السياسي الأوروبي، معتبرة أن نزوعها الإسلامي لا يتجاوز الحيز الثقافي الحضاري بمفهومه الواسع وليس له انعكاسات مباشرة في الاختيارات السياسية والمجتمعية والتنموية التي تؤطرها مبادئ العلمانية الأتاتوركية.

فالفرق إذن واسع بين حزب العدالة والتنمية والتشكيلات التي أسسها أربكان وأشهرها حزب الرفاه الذي تسلم مقاليد الأمور في التسعينات لفترة قصيرة أجهضت بتدخل مباشر من المؤسسة العسكرية احتجاجا على بعض المواقف والسياسات التي اعتبرتها تهديدا للخط العلماني الذي قامت عليه الدولة التركية الحديثة.

ويشكل هذا الخط محور التمايز الأول بين السياق التركي والسياقات العربية التي لم تقم فيها تجربة علمانية مكتملة ومنسجمة على غرار النموذج الأتاتوركي.

ولعل التجربتين الأكثر اقترابا من المقاييس العلمانية هما المحاولة البورقيبية في تونس والمحاولة البعثية في العراق. أما بورقيبة فقد عرف بافتتانه بالنموذج الأتاتوركي الذي كان يعتبره مسلكا للاقتداء، بيد أنه وإن استند إليه في خطابه السياسي واقترب منه في إصلاحاته الاجتماعية، إلا آن حسه التكتيكي تغلب على مشروعه الآيديولوجي فانتهى الى البحث عن مرتكزات شرعية دينية لأكثر إصلاحاته راديكالية بما فيها قانون الأحوال الشخصية الصادر عام 1956 الذي جيش له براعة وعلم الفقيه التونسي الكبير محمد الطاهر بن عاشور.

أما التجربة البعثية في العراق فقد بدأت منسجمة مع مبدأ أولوية العامل القومي على الهوية الدينية الذي هو مرتكز الآيديولوجيا البعثية كما صاغها ميشال عفلق، بيد أنها سرعان ما تحولت مع بدء الحرب مع إيران إلى خطاب شعاراتي ديني يتأرجح بين النفس المذهبي الضيق والنغمة الوعظية، وخلصت إلى سياسات الأسلمة الجماعية التي رفعها صدام حسين في سنوات حكمه الأخيرة.

والمفارقة التي نريد أن نسجلها هنا هي أن الحالة العلمانية الوحيدة في العالم الإسلامي هي التي مكنت من وصول حزب ذي خلفية إسلامية الى مقاليد السلطة عن طريق الآلية الديمقراطية.

وقد يكون تفسير هذه المفارقة بأن العلمنة تفضي من خلال مسلكها للفصل بين الدين والدولة الى تحويل المعطى الديني من دائرة المقدس الجماعي الى إطار المعتقد الفردي، فيصبح احد رهانات الصراع السياسي مما يتطلب تكييفه مع ضوابط التعددية الفكرية والعقدية التي جوهر المنظومة العلمانية.

أما خط التمايز الثاني فيتعلق بخلفية تشكل الدولة القومية التركية في مقابل الكيانات السياسية العربية حديثة النشأة والهشة التركيبة الاجتماعية في الغالب.

أما في الساحات العربية حيث الصدام قائم حول المحددات المرجعية للدولة نفسها، فان الخطاب الإيديولوجي المستند للدين يمكن أن ينظر إليه كعامل مؤجج للفتنة أو كوسيلة غير مشروعة للتحكم في المرتكز الأساسي للهوية الجماعية.

أما خط التمايز الثالث فيتصل بطبيعة الخطاب الإسلامي أي نهجه الفكري وأسسه النظرية. ولسنا نحتاج للتذكير بأن النموذج الذي سيطر على التيارات الإسلامية في العالم العربي هو نموذج مدرسة الإخوان المسلمين المصرية.

والمعروف أن هذا النموذج تمحور حول فكرة المماهاة بين المرجعية العقدية العامة للانتماء الإسلامي والولاء للجماعة المسلمة التي ضاقت دلالتها تدريجيا حتى أصبحت مختزلة في التنظيم الحركي «مفهوم المحاكمة القطبية».

إن ما حدث في تركيا هو القطيعة مع الخطاب الإخواني الذي كان حاضرا ـ ولو بصفة ملتبسة ـ في أدبيات حزب الرفاه، في حين كان ينظر الى اربكان كأحد الزعامات المتحدرة من الأصول الإخوانية.

وتبدو هذه المراجعة واضحة في تركيز أوردغان على التمييز بين «العلمانية المبتورة» و«العلمانية المؤاصلة»، أي المتجذرة في الأرضية القيمية والحضارية للأمة.

إن ما نجح فيه قادة حزب العدالة والتنمية هو إدراك أن مظلة الإسلام أوسع من اعتبارات السياسة ورهاناتها، وأنه قادر بقيمه ومخزونه الرمزي على التكيف مع العددية الفكرية والسياسية ولو أخذت شكل العلمانية.

No comments: