Friday, July 27, 2007

الطربوش .. و ثورة يوليو

الطربوش وثورة يوليو
بقلم : جـــمال الشــاعر


عندما ظهرت القبعات العسكرية التي يرتديها الضباط الأحرار تراجعت الطرابيش‏,‏ واختفت تدريجيا من الحياة المصرية‏,‏ وكأنما قد صدر قرار بإحالتها إلي الاستيداع‏.‏ هل كان زمن الطربوش أجمل؟‏!‏ روبير سولي مؤلف رواية الطربوش يري ذلك‏,‏ وهو الذي عايش الحياة المصرية فيما قبل الثورة‏.‏

ولد في القاهرة وعاش في مصر‏17‏ سنة ثم عاد إلي فرنسا وأصبح فيما بعد رئيس تحرير جريدة اللوموند‏.‏ عندما تقرأ الرواية تحس أن مصر كانت مملكة كوزوموبوليانية عالمية مفتوحة علي كل الثقافات الفرنسية والإنجليزية واليونانية وخلافه‏,‏ وتجد فيها الأرمن والشوام واليهود وتلمس ازدهار الفنون والآداب والصحافة‏,‏ وترصد طموح المصريين في وثبة حضارية‏.‏ كانت مصر ثاني دولة بها أوبرا بعد إيطاليا‏,‏ وأول دولة في العالم الثالث وفي إفريقيا بها سكك حديدية وقطارات‏.‏

وكانت في مصر ديمقراطية مدهشة وحراك سياسي رائع تجلي في زمن سعد زغلول العملاق الذي كان غاندي يخاطبه في رسائله بقوله‏:‏ يا أستاذي‏..‏ هل يفهم من هذا أن الطربوش رمز لفترة حراك ثقافي عالمي وديمقراطي تقلصت بعد الثورة؟‏!‏ وبالتالي ظهرت ثقافة نكوصية ارتدادية وفرت المناخ لظهور الأصولية الدينية مرة أخري‏,‏ مربط الفرس هنا هو غياب التنوع الثقافي الخلاق‏,‏ والخطورة تكمن في الأحادية السياسية التي كرست لها ثورة يوليو‏,‏ أصابت هذه الأحادية حيوية المجتمع بالشلل المؤقت عبر أكثر من نصف قرن من الزمان‏,‏ طبعا ثورة يوليو لها التماعاتها الوطنية التي تجعل المواطنين يصابون بالزهو‏,‏ وفي الوقت نفسه يتغاضون عن التجاوزات والمظالم في سبيل أهداف قومية كان الجميع علي استعداد للتضحية من أجلها بأرواحهم‏,‏ تأميم قناة السويس‏..‏ السد العالي‏..‏ العدالة الاجتماعية‏..‏ القضاء علي الإقطاع‏..‏ القضاء علي الاستعمار وأعوانه‏..‏ إقامة جيش وطني قوي‏..‏ إقامة حياة ديمقراطية سليمة‏.‏

المفارقة هنا أن الثورة كانت لديها نيات حسنة لدقرطة الحياة السياسية والمواطنين‏,‏ لكن ذلك لم يحدث لأسباب كثيرة نعرفها جميعا‏.‏ الديمقراطية كانت موجودة في زمن الطرابيش‏,‏ وفي زمن القاهرة الكوزموبوليانية‏.‏ طبعا عودة الطرابيش لن تعيد الديمقراطية مرة أخري‏.‏

ويحكي أن الشاعر حافظ إبراهيم قابله رجل أمي في عربة الترام وأعطاه جوابا ليقرأه له‏,‏ فأراد حافظ إبراهيم أن يتخلص منه فقال‏:‏ لا أعرف القراءة‏,‏ فقال الرجل الأمي متعجبا‏:‏ كيف وأنت ترتدي الطربوش ياسيدنا الأفندي؟‏!‏ خلع حافظ إبراهيم الطربوش ووضعه فوق رأس الرجل وصاح فيه‏:‏ الطربوش فوق رأسك‏..‏ تفضل اقرأ أنت‏.

No comments: