Sunday, January 21, 2007

الحراك المضاد



د. رفيق حبيب : بتاريخ 15 - 1 - 2007
شهدت بداية القرن الحادي والعشرين، حراكا سياسيا واضحا في العديد من البلاد العربية، وربما يؤرخ لبداية هذا الحراك بتحرير الجنوب اللبناني وبالانتفاضة الثانية التي شاهدتها الأراضي الفلسطينية، في عام 2000. وسار الحراك الجماهيري في طريق المقاومة ومحاولات الإصلاح السياسي. وتزاوج عمليات المقاومة مع الحراك السياسي، أكد على المشروع الجماهيري للأمة، والذي يربط بين التحرر والنضال والنهضة، أي بين مواجهة العدوان الخارجي،ومواجهة التحديات الداخلية. ووقائع الحراك الجماهيري تؤكد أولا على الوعي النابض للأمة، وعلى إدراك الأمة للمستقبل الذي تنشده، وعلى رغبة الأمة في التغيير. ومجمل ما حدث على صعيد العمل المقاوم، وعلى صعيد العمل السياسي، يؤدي في النهاية إلى الكشف عن توجه له تأييده الواضح بين الجماهير، يحاول أن يأخذ طريقه للتأسيس داخل النظام السياسي الرسمي. وفي كل مراحل الفعل المقاوم والسياسي الجماهيري، ظهر جليا وقوف النظام السياسي الرسمي في مواجهة هذا الفعل، والذي مثل خطرا على هذا النظام، من وجهة نظر النخبة الحاكمة في البلاد العربية. وهنا بات واضحا أن تلك النخب الحاكمة غير قادرة على التوحد مع الجماهير، وغير قادرة أيضا على تبني الرؤى الجماهيرية. ورغم كل الحراك والفعل السياسي والمقاوم، وما له من تأثيرات، إلا أن النخب الحاكمة لم تغير من مواقفها السياسية الرافضة للحراك السياسي والفعل الديمقراطي، والرافضة أيضا لعمل المقاومة، والتي تتبنى التوحد مع المشروع الأمريكي، وترفض التوحد مع المشروع المقاوم ومشروع النهضة. لقد كان من الحتمي أن تتبنى النخب الحاكمة خطابا جديدا، حتى تتكيف مع التوجهات الجماهيرية، وليس من المطلوب أن تتبنى النخب خطابا جذريا أو ثوريا، ولكن كان من المطلوب أن تتبني خطابا متزنا يقوم على أسس التحرر والحرية، ويتبنى مطالب الجماهير، أو على الأقل كان على النخب الحاكمة أن تضع المطالب والمواقف الجماهيرية في حساباتها، وتجعلها قيدا عليها، أو تجعلها مبررا لها أمام الضغوط الخارجية. ولكن النظام العربي الرسمي لم يفعل أي شيء من هذا، في ما عدا بيان هنا أو هناك من الجامعة العربية في مرات محدودة.ولأن العمل المقاوم استمر في تحقيق انتصاراته، والتي تأكدت في جنوب لبنان مرة أخرى في عام 2006، وفي الانسحاب الإسرائيلي من غزة في عام 2005، ولأن الحراك السياسي استمر يحقق خطوات هنا أو هناك، تمثلت في ما حققته جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية المصرية، وما حققته حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وما حققته القوى المعارضة في بعض التجارب الوليدة للديمقراطية في بلاد عربية، لكل هذا أصبح النظام العربي الرسمي بعيدا ومفصولا عن الجماهير بصورة أكثر حدة، وتأكدت النخب الحاكمة من خطر ذلك الحراك السياسي ومن العمل المقاوم. وهنا بدأت المواقف الرسمية العربية في شن حملة حراك مضاد ضد هذا الفعل الجماهير، وهذا الحراك المضاد ليس مجرد خطاب، بل هو فعل منظم ومخطط، الهدف منه الحد من فاعلية الشارع العربي، وحصار الحراك السياسي، وحصار المقاومة. والفعل المضاد هنا يجعلنا في مواجهة مباشرة بين النخبة الحاكمة وبين الجماهير العربية، ويجعل مسار عمل النخب هو حصار الأمة في التحليل النهائي. وتلك في الواقع لحظات صعبة في تاريخ الأمة العربية، بل والأمة الإسلامية.إن أخطر ما يقوم به الحراك المضاد، هو محاولة تفتيت وحدة الأمة، وها هي بعض الأنظمة العربية تتبنى موقفا سنيا في مواجهة الخطر الشيعي، وكأن تلك الأنظمة كانت تستند على هويتها الحضارية والدينية، حتى تحولها إلى الهوية الطائفية الضيقة. وها هي أنظمة عربية تعمل ليل نهار على تخويف غير المسلمين من خطر الحركات الإسلامية، مثل ما يحدث في مصر، في محاولة لجذب الأقباط لتأييد النظام المصري الحاكم، وكأن هذا النظام كان يرعى بالفعل قضايا الأقباط أو يهتم بمشكلاتهم. وهناك أيضا من يعمل على تخويف المرأة من الحركات الإسلامية، ومن يعمل على تخويف الجماهير من القوى الوطنية والإسلامية، ومن القوى المقاومة. ومع هذا التحرك والذي يقوم في الواقع على تفتيت الأمة، وعلى إشعال الحروب والنزاعات الأهلية، نجد في المقابل تسويق من الأنظمة الحاكمة لفصل جديد من الاستبداد للقضاء على مساحة الحرية المحدودة التي مارستها الأمة، على أساس أن الديمقراطية تمثل خطرا، لأنها سوف تسمح بقوى المقاومة والقوى الوطنية والإسلامية، والتي تتهم بأنها قوى راديكالية، بأن تصل للسلطة، مما يؤدي لحصار الغرب لها، والمثال على ذلك الحصار المضروب حول حركة حماس.نحن بصدد حراك للاستبداد، يهدف إلى تجريم القوى السياسية المنافسة والتخويف منها، ويهدف لمنعها من العمل السياسي بقوة الدستور والقانون، كما يحدث في مصر. وفي هذه العملية تحاول النخبة الحاكمة جذب قطاع ما من الجماهير لتأييدها، على أسس فئوية وطائفية، والمشهد اللبناني يمثل النموذج الذي يعاد إنتاجه في العديد من الدول العربية. والهدف من ذلك الوصول إلى فئة من الجماعة السياسية تربط وجودها بالنظام الحاكم، فتؤيده في معركته مع القوى المعارضة. مما يهدد وحدة الجماعة السياسية في البلاد العربية، كما يهدد وحدة الأمة العربية والإسلامية في نهاية الأمر.هذا الحراك المضاد يريد إجهاض كل ما حققته الأمة، ومنعها من تحقيق المزيد من الانتصارات للعمل المقاوم، والمزيد من النتائج للحراك السياسي. وهي محاولة لتأسيس الاستبداد ومنع أي تحول حقيقي نحو الديمقراطية.

No comments: